ليس كل تغير في المزاج مرضًا، فالإنسان بطبيعته يفرح ويحزن، ينشط أحيانًا ويخفت أحيانًا أخرى. لكن الخطر يبدأ عندما تصبح هذه التقلبات حادة إلى درجة تُربك النوم والعمل والعلاقات والقدرة على اتخاذ القرار. هنا لا نكون أمام “مزاج متقلب” فقط، بل أمام اضطراب يحتاج إلى فهم ورعاية طبية ونفسية.
الهوس والاكتئاب يرتبطان غالبًا بما يُعرف طبيًا باسم الاضطراب ثنائي القطب، وهو حالة نفسية تتميز بانتقال الإنسان بين نوبات ارتفاع شديد في المزاج والطاقة، ونوبات انخفاض عميق في المشاعر والدافعية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الاضطراب ثنائي القطب يتضمن أنماطًا من نوبات الهوس أو الهوس الخفيف مع نوبات الاكتئاب، وقد تختلف شدة هذه النوبات ومدتها من شخص لآخر.
ما معنى الهوس؟
الهوس ليس مجرد سعادة زائدة أو نشاط مؤقت. في نوبة الهوس قد يشعر الشخص بطاقة عالية جدًا، وثقة مفرطة، وقلة حاجة إلى النوم، وتسارع في الكلام والأفكار، واندفاع في القرارات، وقد يدخل في تصرفات خطرة مثل إنفاق المال بلا حساب أو الدخول في خلافات أو مشروعات غير محسوبة. وتذكر مصادر طبية أن الهوس قد يؤثر بوضوح في قدرة الإنسان على العمل والعلاقات واتخاذ القرارات السليمة.
أحيانًا يظهر ما يسمى بالهوس الخفيف، وهو أقل حدة من الهوس الكامل، وقد يبدو لصاحبه أو لمن حوله كأنه نشاط أو إنتاجية عالية. لكن المشكلة أنه قد يتحول لاحقًا إلى نوبة أشد، أو يتبعه هبوط اكتئابي مؤلم.
الوجه الآخر.. الاكتئاب
على الجانب الآخر، تأتي نوبات الاكتئاب كهبوط ثقيل في الطاقة والمعنى. قد يشعر المصاب بحزن عميق، فقدان المتعة، اضطراب النوم، ضعف التركيز، تغير الشهية، الإحساس بالذنب أو انعدام القيمة، وأحيانًا أفكار مؤذية للنفس.
وهنا تظهر خطورة الاضطراب؛ فالشخص نفسه الذي كان قبل أيام أو أسابيع ممتلئًا بالطاقة والاندفاع، قد يجد نفسه عاجزًا عن القيام من السرير أو أداء أبسط المهام.
وتوضح الجهات الصحية أن نوبات الاكتئاب في الاضطراب ثنائي القطب ليست حزنًا عابرًا، بل حالة قد تؤثر في الحياة اليومية وتحتاج إلى تقييم وعلاج مناسبين.
لماذا يحدث هذا الاضطراب؟
لا يوجد سبب واحد مباشر. غالبًا تتداخل عوامل وراثية وبيولوجية ونفسية وبيئية. وجود تاريخ عائلي قد يزيد القابلية، كما أن اضطراب بعض كيمياء الدماغ قد يلعب دورًا في تقلبات المزاج والطاقة. وقد تسهم الضغوط الشديدة، وقلة النوم، وتعاطي المخدرات، وبعض الأدوية، في تحفيز النوبات لدى أشخاص لديهم استعداد مسبق.
لكن المهم أن نفهم أن المصاب لا “يمثل” ولا “يبالغ”، وأن الأمر ليس ضعف إيمان أو نقص إرادة، بل حالة صحية تحتاج إلى تعامل جاد.
متى يجب طلب المساعدة؟
يجب استشارة طبيب نفسي إذا ظهرت تقلبات شديدة في المزاج والطاقة، خصوصًا إذا تكررت أو أثرت في النوم أو العمل أو الدراسة أو العلاقات. وتصبح المساعدة عاجلة إذا ظهرت أفكار انتحارية، أو اندفاع خطير، أو هلاوس، أو اعتقادات غير واقعية، أو تصرفات تهدد سلامة الشخص أو من حوله.
العلاج قد يشمل أدوية منظمة للمزاج، وجلسات علاج نفسي، وتنظيم النوم، وتقليل الضغوط، والابتعاد عن المخدرات والمنبهات الزائدة. وتشير مصادر طبية إلى أن الاضطراب ثنائي القطب يمكن التحكم فيه بخطة علاجية مستمرة ومتابعة متخصصة.
دور الأسرة لا يقل أهمية
الأسرة قد تكون خط الدفاع الأول. المطلوب ليس اللوم أو السخرية أو اتهام الشخص بالكسل في الاكتئاب أو بالغرور في الهوس، بل ملاحظة التغيرات، وتشجيعه على العلاج، ومساعدته على الالتزام بالنوم والدواء والمتابعة.
في النهاية، الهوس والاكتئاب ليسا مجرد حالتين مزاجيتين متناقضتين، بل اضطراب قد يسحب الإنسان بين طرفين قاسيين: طرف يجعله يندفع أكثر مما يحتمل، وطرف يجعله ينطفئ أكثر مما يستطيع. والوعي المبكر قد يكون الفارق بين حياة مرتبكة وحياة يمكن استعادتها بالعلاج والدعم.