من أكثر الجمل المؤلمة التي يسمعها المراهق أو الطفل من أهله دون أن يدركوا أثرها:
«أنا حرّ فيك… أنت ابني».
«طالما عايش تحت سقفي تمشي على كلامي».
«إحنا ربّيناك، يبقى لازم تعمل اللي نقوله».
هذه العبارات، رغم أنها تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن المسؤولية أو الخوف أو الرغبة في الحماية، إلا أنها تحمل داخلها فكرة خطيرة: معاملة الطفل كأنه ملكية خاصة، لا كإنسان مستقل له عقل، واحتياجات، وحدود، وحق في اتخاذ القرار.
الحقيقة أن كثيرًا من الأهل لا يقصدون الأذى… لكنهم يورّثون سلوكًا تربويًا قاسيًا دون وعي، ناتجًا عن ثقافة مجتمعية قديمة مبنية على السلطة، وعلى الخوف من “التربية الشاذة” أو “الخروج عن الطاعة”، وعلى قناعات تربوية لم يتم مراجعتها منذ عقود.
المقال التالي محاولة لقراءة هذه الظاهرة قراءة نفسية عميقة… لماذا تحدث؟ كيف يشعر بها الأبناء؟ وما هي آثارها؟ وكيف يمكن أن تتحول العلاقة من ملكية إلى شراكة؟
🧠 محتاج جلسة نفسية أو استشارة متخصصة؟
احجز جلستك الآن مع أخصائيين موقع زاوية نفسية
تواصل معنا مباشرة على واتساب 👇
أولًا: الجذور النفسية لفكرة “الملكية” عند الأهل
الحاجة للسيطرة
السيطرة ليست دائمًا قسوة… أحيانًا تكون خوفًا مقنّعًا.
الأهل يخافون من أن يرتكب أولادهم أخطاء، يخافون من فشلهم، يخافون من نظرة المجتمع، يخافون من أن يعاقبهم الزمن على “تربية غير مثالية”.
فيتحول هذا الخوف إلى محاولة حماية… لكنها حماية مفرطة،
وكل حماية مفرطة تتحول إلى سيطرة.
وهكذا يبدأ الأب أو الأم، دون قصد، في معاملة الطفل كأنه “أمانة يجب إحكام القبض عليها”.
الاعتقاد بأن النجاح يُنسب للأهل
كثير من الأهل يشعرون أن نجاح الابن هو شهادة نجاح لهم، وأن فشله إدانة لهم.
فتتحول حياة الابن إلى مشروع شخصي للأب أو الأم، بدل أن تكون حياة مستقلة لها رحلتها الخاصة.
وهكذا يبدأ التعامل بطريقة:
“أنا أعرف عنك أكثر مما تعرف أنت عن نفسك”.
“أنا أقرر… وأنت تنفّذ”.
التربية التي تلقّوها هم أنفسهم
لا أحد يهرب من التاريخ العاطفي الذي جاء منه.
أب تربّى على الطاعة العمياء، غالبًا سيكررها.
وأم نشأت في بيت لا يسمح لها بالكلمة، غالبًا ستعتبر أن السلطة حق مكتسب عندما تصبح أمًا.
الأنماط تنتقل… والطفل يصبح مرآة لأسلوب لم يختره.
الخلط بين الرعاية والامتلاك
بعض الأهل يربط بين “حبي لك” و“سيطرتي عليك”.
وكأن الرعاية لا تكتمل إلا بالتحكم.
وكأن الطفل إن قال “لأ” فهو لا يحب أهله بما يكفي.
ثانيًا: لماذا يشعر الطفل أو المراهق بأن أهله يتعاملون معه كملكية؟
غياب المساحة الشخصية
لا باب يُغلق.
لا أسرار تُحترم.
لا قرارات تُناقش.
كل شيء “يجب مشاركته” مع الأسرة… بداية من المشاعر حتى الهاتف.
عدم الاعتراف بالحق في الاختلاف
عندما يختلف الابن مع أهله، يسمع:
“إنت مش فاهم”.
“إزاي تعارضني؟”.
“لما تكبر هتعرف”.
هذه العبارات تنفي عن المراهق حقه في أن يكون مختلفًا.
اتخاذ القرارات نيابة عنه
الدراسة… الملابس… الأصدقاء… الأنشطة…
أحيانًا حتى الأكل والنوم.
كلها تُقرَّر له، وليس معه.
استخدام كلمة “ابني” بمعنى أوسع مما يجب
المشكلة ليست في لفظ “ابني”… بل في النبرة.
هناك فرق بين:
– “ابني وأنا مسؤول عنه”. (علاقة حب)
وبين:
– “ابني وأنا حرّ فيه”. (علاقة ملكية)
ثالثًا: الآثار النفسية لمعاملة الأبناء كأنهم ممتلكات
الهوية تتشوه
المراهق الذي لا يُسمح له بالاختيار…
يصبح في النهاية شخصًا لا يعرف ماذا يريد.
يصبح مترددًا، مضطرب الهوية، يخاف من المبادرة، ويحتاج دائمًا موافقة من شخص أكبر.
ضعف الاستقلالية
يخاف من المسؤولية لأنه لم يمارسها.
يخاف من الخطأ لأنه كان يعاقَب عليه بقسوة.
يخاف من النجاح لأنه لم يُسمح له بتجريبه بنفسه.
الانسحاب أو التمرد
عندما يشعر الابن بأنه مجرّد “شيء”، سيبحث عن مساحة في مكان آخر.
– إما انسحابًا (غرفة مغلقة، صمت، اكتئاب).
– أو تمردًا (عنف، رفض، كسر قواعد).
كلاهما رسالة واحدة:
“أنا موجود… اسمعوني”.
الغضب الداخلي
الغضب ليس علامة قلة احترام… بل علامة ألم.
المراهق يغضب لأنه غير مرئي…
لأنه يُعاقَب بدل أن يُفهَم…
لأنه يُعامَل كامتداد لوالديه، لا كإنسان كامل.
ضعف العلاقات الأسرية في المستقبل
يصبح الابن بالغًا… لكنه يتذكر جيدًا تلك الجملة التي كسرت داخله شيئًا:
“اسكت… أنت ملكي”.
وبالتالي تضعف روابطه مع أهله، ليس عقوقًا… بل رد فعل طبيعي للألم غير المعالَج.
رابعًا: لماذا تظهر المشكلة بشكل أقوى عند البنات؟
الأمر يرتبط بـ مشاكل سن المراهقة للبنات و سن المراهقة والتغيرات النفسية للبنات، لأن الضغط الاجتماعي عليهن أكبر:
– مراقبة أدق لسلوكهن.
– قيود اجتماعية أوسع.
– حساسية أعلى للرفض.
– توقعات كبيرة من المجتمع والأسرة.
فتشعر البنت غالبًا أنها “ملكية” أكثر من الولد…
ملكية يجب الحفاظ عليها… مراقبتها… حمايتها بشكل مفرط.
لكن الحماية الزائدة تُفقدها إحساسها بأنها إنسانة مستقلة.
خامسًا: التحول النفسي للأبناء في سنوات المراهقة
لفهم المشكلة، يجب فهم التغيرات العقلية والانفعالية في مرحلة المراهقة:
– الدماغ يبحث عن الاستقلال.
– المشاعر أكثر حساسية.
– تقدير الذات هشّ.
– العلاقات الاجتماعية لها وزن ضخم.
– الوعي بالذات يتضاعف.
وهذا يفسر لماذا يشعر المراهق بسرعة أنه “متحاصر” أو “مسيطر عليه”.
ليس لأن الأهل قساة… ولكن لأن التغيرات الداخلية تجعله يحتاج مساحة أكبر.
سادسًا: كيف يخرج الأهل من فخ “الامتلاك” إلى “الاحتواء”؟
الاستقلال ليس تهديدًا… بل علامة صحية
عندما يطلب ابنك خصوصيته، فهو لا يرفضك…
هو ينضج.
وعندما يناقشك، هو لا يتمرد…
هو يتعلم التفكير.
احترام المساحة الخاصة
باب يُغلق
يوميات لا تُقرأ
هاتف لا يُفتش
خصوصية لا تُنتهك
هذه ليست رفاهية… بل جزء من بناء شخصية صحية.
مشاركة القرار بدل فرضه
بدل: “هتدخل علمي غصب عنك”.
نقول: “تعالى نشوف أنت ميولك رايحة فين”.
دعم الهوية
الابن يحتاج أن يشعر بأنه مختلف لا مطابق.
“أنا فخور بمجهودك”… أقوى من “أخيرًا سمعت الكلام”.
الفصل بين الحب والسيطرة
الحب يحرر…
السيطرة تقيد.
وما يحتاجه المراهق فعلًا هو الحب، لا الامتلاك.
سابعًا: كيف يرى الابن المعاملة السلطوية؟
في داخله، يتكون ثلاث مشاعر أساسية:
1) الشعور بأنه غير مرئي
كأن حياته تُدار من الخارج… دون أن يُسأل عن رأيه.
2) الشعور بأنه غير محترم
لأن قراراته لا تؤخذ على محمل الجد.
3) الشعور بأنه غير جدير
لأن الأهل لا يثقون بقدرته على اتخاذ قرار بسيط.
هذه المشاعر الثلاثة تخلق صراعًا نفسيًا قد يستمر لسنوات طويلة.
ثامنًا: هل معنى ذلك أن الأهل مخطئون؟
ليس بالضرورة.
كثير من الأهل ضحايا لثقافة تربوية تقوم على:
– الخوف
– السيطرة
– الطاعة
– القلق من كلام الناس
وهم يكررون ما عرفوه… دون أن يدركوا أن الزمن تغيّر.
وأن احتياجات أبنائهم اليوم مختلفة تمامًا.
تاسعًا: كيف يعالج العلاج النفسي هذا النوع من الجروح؟
المراهق في الجلسة العلاجية يجد للمرة الأولى:
– من يسمع دون حكم
– من يعترف بمشاعره
– من يعطيه مساحة للتعبير
– من يساعده على فهم ذاته
– من يفك ارتباط “الحب = السيطرة”
والأهل أنفسهم قد يستفيدون من جلسات إرشاد تساعدهم على فهم دينامية السلطة داخل البيت.
الأسئلة الشائعة
هل الأهل يسيطرون بسبب حب أم خوف؟
غالبًا خوف، وليس رغبة في القمع.
لكن الخوف إذا لم يُعالج يتحول إلى سيطرة جارحة.
كيف أعرف أني أتعامل مع ابني كأنه ملكية؟
إذا كنت:
– تقرر نيابة عنه
– تراقب خصوصيته
– تغضب من اختلاف رأيه
– تعتبر طاعته معيار حب
فأنت تقع في هذا الفخ.
هل البنات أكثر عرضة للسيطرة؟
نعم بسبب القيود الاجتماعية الأكبر، وضغط الصورة الذاتية.
هل يمكن تغيير الأسلوب التربوي؟
نعم، بمجرد الوعي بالمشكلة يبدأ التغيير تلقائيًا.
🧠 زاوية نفسية — نساعدك تشوف حياتك من زاوية أهدأ وأعمق.
تابع أحدث المقالات النفسية والنصائح الحياتية على موقعنا دائمًا 💙
🧠 محتاج جلسة نفسية أو استشارة متخصصة؟
احجز جلستك الآن مع أخصائيين موقع زاوية نفسية
تواصل معنا مباشرة على واتساب 👇